محمد بن جرير الطبري

215

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

يقول تعالى ذكره : وأفوا بميثاق الله إذا واثقتموه ، وعقده إذا عاقد تموه ، فأوجبتم به على أنفسكم حقا لمن عاقد تموه به وواثقتموه عليه . * ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيد ها ) * يقول : ولا تخالفوا الأمر الذي تعاقدتم فيه الأيمان ، يعني بعد ما شددتم الأيمان على أنفسكم ، فتحنثوا في أيمانكم وتكذبوا فيها وتنقضوها بعد إبرامها ، يقال منه : وكد فلان يمينه يؤكدها توكيدا : إذا شددها ، وهي لغة أهل الحجاز ، وأما أهل نجد ، فإنهم جعلتم الله بالوفاء بما تعاقدتم عليه على أنفسكم راعيا يرعى الموفى بعهد الله الذي عاهد على الوفاء به الناقض . وبنحو الذي قلنا في ذلك أهل التأويل على اختلاف بينهم فيمن عني بهذه الآية وفيما أنزلت ، فقال بعضهم : عني بها الذين بايعوا رسول الله ( ص ) على الاسلام ، وفيهم أنزلت : ذكر من قال ذلك . حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال : ثنا عبد الله بن موسى ، قال : أخبرنا أبو ليلى عن بريده قوله * ( وأفوا بعهد الله إذا عاهد تم ) * قال : أنزلت هذه الآية في بيعة النبي ( ص ) كان من أسلم بايع على الاسلام فقالوا : * ( وأفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) * هذه البيعة التي بايعتم على الاسلام * ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) * البيعة ، فلا يحملكم قلة محمد ( ص ) وأصحابه وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الاسلام ، وإن كان فيهم قلة والمشركين فيهم كثرة وقال آخرون : نزلت في الحلف الذي كان أهل الشرك تحالفوا في الجاهلية فأمرهم الله عز وجل في الاسلام أن يوفوا به ولا ينقضوه . ذكره من قال ذلك . حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء ، جميعا عن أبن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله تعالى : * ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) * قال : تغليظها في الحلف . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، وحدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق قال : ثنا عبد الله عن ورقاء جميعا عن ابن نجيح عن مجاهد مثله .